يوميات يونيو (٢٠٢٢)

(1)

تذكرني فترة الدورة الشهرية بالألم المغروس في أجساد النساء، ألم حتمي، متكرر، و متواصل، تعجز عنه أحياناً كمادات الماء الدافئ، أقراص المسكن، والمشروبات الحارة بأنواعها. في بعض الأشهر أتوقف عن اتخاذ أي إجراء ضدها واقرر احتمال الألم. غياب هذا الألم قد يعني حدوث مشكلة صحية قد تُحدث ألماً أكبر، لذلك نشعر بالامتنان حين يسير هذا الألم في دورته المعتادة بشكل مستمر. جزء من تجربة الإناث أن يكون الألم جزء لا يتجزأ من أجسادهن وكأن الجزء الأكبر منه في الكون من نصيب النساء، قد يكون هذا ضريبة الجمال؟ ربما، قد يفسر الإجابة سعيَّهن من أجل عمليات التجميل المؤلمة ليصبحن أكثر جمالاً، يفقد الألم هيبته أمامهن. أنا لست مثل هولاء النساء، بالكاد احتمل الألم الذي يفرضه عليَّ الوجود. أعرف أنني عاطفية بطبيعتي لكن العاطفة تتضخم خلال هذه الأيام القاسية والحتمية. ينتج هذا التضخم لأن الألم يتخطى الجسد ليصل إلى الروح، يستدعي الذكريات المؤلمة، يولد مشاعر غريبة وغير مفهومة، يشعل نوبات الغضب والبكاء، وأحياناً تظهر أعراض جديدة لا أعرفها. أشعر أنني أصبح هشة وقد أتهاوى في أي لحظة، أستسلم للضعف، أتناول الشوكولاة، اتوقف عن ممارسة الرياضة، أتخلص من المشاعر السلبية في صورة كلمات، وأبكي في معظم الأحيان. خلال فترات العمل أحبس الدموع في عينيَّ وأتنفس الصعداء كل حين حتى أصل للمنزل وأنهار. أفكر أحياناً بوجوب إجازة النساء من العمل في اليوم الأول لأن تكرار حدوث هذا الألم لا يعني أنه عادي أبداً. في الحقيقة لا يمكن أن يكون عادياً.

(2)

لا أعرف الشعور بالحب، لكنني أعرف الشعور بالخذلان، هيئة الصمت حين يكون جواباً، الكيفية التي يقترب بها شخصاً ما ثم يقرر الابتعاد فجأة بعد أن سرق منك الأمان و زرع الخوف بداخلك، و الإنسان حين يتم التعامل مع وجوده بصفته “وهماً”. بناء على معرفتي القاسية، أوضحت لنفسي أننا لا نحتاج الحب لنمضِ قدماً، ربما تغدو الحياة صعبة حين يكون المرء وحيداً، لكن السعادة ليست مطلب أو هدف.

(3)

أطمح أن آلفَ نفسي وأحبها، أحاول أن أجلس معها محاطين بجو من الملل والفراغ الشاسع، لا أريد أن استعين بأي مؤثرات خارجية لتفض النزاع القائم بيننا. أشعر بالأسى حين أعدد الأخطاء الفادحة التي قد اقترفتها سابقاً، لن يعيد تأنيب الضمير والندم أي شيء قد مضى، لابد من أن نصل إلى نقطة تصالح ما. أعرف تاريخي و ضعفي وأحاول أن أحبني رغماً عن الأمور السيئة التي حدثت خلالهما. الطريق طويل جداً، والكثير من التجارب ستعيقني خلاله، لكنني أعلم أنني سأصل وهذا التخبط سيتوقف على أرضٍ ثابتةٍ ومتوازنة.

(4)

استيقظت باكراً صباح اليوم، فكرت فيما سأفعله وكتبت قائمة المهام، تفقدت جدول تماريني الرياضية لليوم، مارست اليوقا، واتبعت طريقة جديدة لطهي البيض هذه المرة. تناولت طعام الإفطار في صمت عميق، لا تصلنا أصوات العصافير في هذا المنزل، نعرف الصباح من خلال الشبابيك، لم افتح النافذة وقتها. راودتني رغبة في البكاء، البكاء الذي يتبع شعور الندم تحديداً. بكيت من تأنيب الضمير، عجزي عن المضي في الطريق الصحيح رغم معرفتي به، حساسيتي المفرطة ناحية الأشياء، سعيَّ المنهك نحو الكمال، رغبتي في الحب الذي لم أحصل عليه أبداً ومحاولاتي الفاشلة للحصول إليه، حماقاتي المتكررة، أسلوبي في التعبير الذي يزيد الأمر سوءًا، انفصالي عن الواقع، غربتي التي شعرت بها منذ كنت في الثالثة من عمري، شعوري بالضيق من حتمية الألم في الوجود، حتى حبي للحياة بكيت منه. ومثلما يحدث دائماً امسح دموعي واستجمع قوايَّ لأعيد المحاولة من جديد أملاً في وجود ضوء ما في نهاية هذا النفق.

(5)

جزءٌ كبير من السعادة يرتبط بالأيام الرتيبة، يعد حدثاً جيداً أن لا يحدث شيء سوى أحداث الحياة اليومية المعتادة. أعيش أياماً مشابهةً حالياً وأشعر بإمتنان عظيم حيالها، لكنني أفقد أقدر على الكتابة حين أكون سعيدة وهادئة، لا يوجد شيء أحاول مقاومته، كنت قد استسلمت لكل مايحدث.

(6)

أحياناً أتمنى لو أعيش على سطح الحياة بدلاً من الغوص في الداخل والبحث المضني عن معنى كل شيء حولي. أنظر للحياة مثلما أنظر لشخص ما بعينه لكنني لا أفكر فيه، بل أكون شاردة الذهن في شيء آخر تماماً، يتعجب ظناً أنني أحدق فيه فاضطر للإعتذار وأشيح بنظري بعيداً. هكذا يحدث دائماً، لم أتمكن من عيش لحظات متواصلة يتقاطع فيها حضوري مع شعوري، كنت ولا زلت بعيدة في مكان ما، ظننت أن الحب سيلملم أجزائي المتناثرة في حياتي، لكنني لم أحصل عليه أو بالأحرى حصلت على نسخة مشوهة منه. كانت النتيجة أنني أصبحت منفية، كل جزء مني يعيش إما في زمن آخر أو مكان بعيد جداً. أحياناً أتمنى أن أجرب الغربة، أشعر أنها تلائمني، أو على الأقل سأكون منفية وغريبة حقيقية حينها.

(7)

دائماً ماتقودني مشاعرالامتنان للبكاء، امضي اليوم بأكمله أتذكر النعم المحيطة بي واحصيها حتى تفيض عينيَّ في نهاية المطاف.

(8)

يتكرر الأمر كثيراً في الأونة الأخيرة. استغرق في التأمل حتى أشعر بالدموع في عينيَّ، أشعر أن قلبي صافٍ تماماً وكأن مجريات الحياة لم تغير به أي شيء. يُخيل لي أن صدري شفاف وأن المدى يحتوي فراغ شاسع على الرغم من الصخب، الأضواء، الجمادات، والأشخاص المنتشرين في كل اتجاه. منذ يومين وأنا أحاول وصف مايختلج في صدري لكن لا لغة لدي تكفي لذلك. ألا يكون ذلك شكل الطمأنينة، الطمأنينة التي حجبها الانتظار والقلق طويلاً عن قلبي؟ أو هي مرحلة يأس يتساوى فيها الوجود مع العدم؟

(9)

البكاء بسبب اليأس

(10)

أشعر أن الحياة لا تناسبني.

(11)

غلو وتطرف عاطفي بشكل مؤذٍ جداً.

(12)

كنت ولا زلت أؤمن أن للرضا مرتبة أعلى من السعادة. ولأن الحياة تجبرني على اتخاذ طرق لا أريدها أحياناً، أفضل أن اسأل نفسي إن كانت راضية بدلاً من أكون سعيدة. أكره الشعور بالضيق والحسرة بسبب غياب الأشياء الناقصة، بينما في المقابل أشهد وجود العديد من الأشياء الرائعة والمدهشة في حياتي، لا يلغي الحضور المتكرر للأشياء الموجودة خلال الروتين دهشتها في نظري، معظم الألم الذي أشعر به سببه أنني لا أفقد الدهشة أبداً. لو أردت لشيء ما أن يكتمل فعلاً فهو الشعور بالرضا ناحية النقص والفقد، لكن يبدو أن الرضا مثل أي شيء آخر في الحياة، لا يكتمل.

ريــــــم | Reem

يوميات مايو (2022)

(1)

خرجت من عنق الزجاجة وتخرجت من الماستر، أعيش الآن أياماً هادئة لم أنعم بوجودها منذ فترة قد تكون طويلة. عودتني أيام الزخم الدراسي على تسجيل مهامٍ يومية تساعدني في إدارة وقتي المزدحم، ولم تتوقف هذه العادة حتى الآن. أعددت البيض المقلي بالزبدة على وجبة الإفطار بعد أن انقطعت عن تناوله منذ مدة، أنا كائن روتيني جداً، يكرر نفس العادات لفترات طويلة جداً حتى تقترب لأن تصبح أبدية ثم يرادوه شعور بالغثيان منها ويبحث عن بديل آخر، تناول البيض على الإفطار يعد مثالاُ جيداً لهذا الأسلوب المعيشي. بعد الإفطار كتبت قائمة المهام، عقدت ضفيرة شعري كالمعتاد ثم تذكرت أنني أحب تسريحة ذيل الحصان مع تقاسيم وجهي واليوم رائق ومناسب لفعلها. كانت قائمة المهام تحتوي على مجموعة من الأنشطة الباعثة للهدوء في نفسي، أحدها قراءة ثلاثة فصول من رواية “الجريمة والعقاب” لـ دوستويفسكي، بدأت قراءتها منذ خمسة أيام حين كنت لا أزال في الحرم الجامعي، كانت هي و رواية “الحياة في مكان آخر” لكونديرا الكتابان الورقيان الوحيدان في حوزتي هناك، وكنت أشعر بالحنين إلى قراءة نسخة ورقية من كتاب ما يعجبني فاخترت الجريمة والعقاب بالتأكيد. في البدء شعرت بأنني نسيت الكثير من أجزاء الراوية، ولكن اليوم راودني شعور بالملل وأنا اقرأ مشهد قتل العجوز وأختها من قبل راسكولنيكوف، لم أتوقف عن القراءة لأنني أردت الالتزام بقائمة المهام كالعادة، وبالرغم من أنني لم انتهي من قراءة الفصل الثاني انتقلت لمهمة أخرى وهي متابعة الحلقة الأولى من مسلسل Horace and Pete. إحدى الزميلات الإفتراضيات امتدحته كثيراً حتى أثارت في نفسي فضول متابعته واليوم قد بدأت في ذلك فعلاً. في الحقيقة، الحلقة الأولى مملة جداً لكنها في المقابل تبدو مناسبة ليوم هادئ كالذي كنت أود أن أعيشه. لفت انتباهي أحد المشاهد الذي كان يصور بشكل ضمني الصراع بين الجيل الجديد والقديم على المحافظة على الأمكنة العريقة و الموغلة في القدم. لدي ما أكتبه عن هذا المسلسل لكنني لا أود الاستفاضة عنه هنا وربما في أي نص آخر.

(2)

تجرنيَّ الأيام الهادئة نحو حالة من الانفصال عن الواقع وأنا استسلم لها حالياً. أود نسيان كل ماحدث سابقاً، لكنني في المقابل أشعر برغبة عارمة في السرد، أريد أن أسترسل في شيء ما، أحياناً أشعر أن يومياتي لا تستحق الكتابة لكنها على الأقل تمنحني مادة لا نهائية لإشباع هذه الرغبة في الكتابة، ربما هي تجربة الحب العقيم مافتح صنبوراً من الكلمات في رأسي، أو لأنني لا احتمل الشعور باللاجدوى أحاول فعل شيء ما أقاوم من خلاله تأثير الزمن. أريد أن أكتب بسلاسة و دون أي مجهود يُذكر أو محاولة اختراع فكرة ما. دائماً مايرتبط شوال بصيام مافاتني خلال رمضان، قبل يومين تمنيت أن يُعاد رمضان هذه السنة مرة أخرى لأنني عشته تحت وطأة ضغوط دراسية أفقدتني الشعور بالزمن. اليوم هو أول يوم أصومه في شوال، النهار طويل وممتد جداً، لما انهض من السرير إلا عند الواحد ظهراً لأداء صلاة الظهر، كنت مستقلية اقرأ نسخة الكترونية من رواية “قلق الأمسيات” في هاتفي بعد أن فقدت الأمل في إيجاد نسخة ورقية منها، شعرت بدوار في رأسي من أثر القراءة في الظلام حينما نهضت بعد أن قرأت أربع فصول من الرواية.

(3)

أعادتني قصة “قلق الأمسيات” إلى سيناريو وفاة أبي رحمه الله. تحكي بطلة الرواية الصغيرة عن الفراغ الشاسع الذي خلفه وفاة أخيهم الأكبر عشية عيد الميلاد. عنوان الرواية عبقري وتتجلى رمزيته بعد المرور بفصول معدودة من الرواية، توقفت العائلة عن الاحتفال بأعياد الميلاد بعد هذا الحادث، و بطلة الرواية تعجز عن النوم خلال الليالي التي يذهب فيها الوالدين إلى أمسية ما لأنها تخاف أن تفقد أحدهما، كأن أي تجمع ينذر بفقدان أحد أفرداه، كأنهم اجتمعوا واحتفلوا سوياً حتى يودعوه. أعرف هذا القلق لأن العائلة بأكملها اجتمعت في شكل يندر حدوثه قبل وفاة أبي بأيامٍ معدودة، و مضى وقت طويل جداً قبل أن تجتمع العائلة الكبيرة مرة أخرى.

(4)

أشعر اليوم أنني انكمش، أريد أن أفكر بعيداً عن تأثير كل شيء من حولي، أتمنى لو امحص رغباتي جيداً وأعرف إن كانت رغبات حقيقية أو مدفوعة بشيءٍ ما. أحياناً أفكر باستحالة تجريد رغباتنا و رؤيتها بشكل صافٍ وبعيد عن المجتمع الذي يحيط بنا، ربما تكون هذه مشكلتي أنا فقط، لا أعرف، وأحتاج المزيد من الجهد لأصل إلى مكنون نفسي. في المقابل تمنعنا الظروف أحياناً عن تحقيق رغباتنا و أحلامنا، لربما حدث هذا المنع لأننا كنا نعيش في وهم ما و يجب علينا أن نغير وجهتنا. في أيام كهذه، لا أفعل شيئاً سوى أن أطرح من المزيد من الاسئلة، لا تهمني الإجابات ولا أبذل الكثير من الجهد للبحث عنها، يعجبني فعل التفكير والاحتمالات المفتوحة، قد يكون هذا عاملاً مهماً تسبب في عدم إيجادي لذاتي حتى الآن. تؤذيني توقعات الآخرين من حولي، أحاول أن أكتشف ماأريده حقاً، ولكن كيف يمكنني الاكتشاف وأنا لا أملك الكثير التجارب الداعمة، أليس من الأسهل أن أترك لهم الاختيار بدلاً عني؟ أو أن أتبع رغباتي اللحظية والعابرة؟ لا أعرف.

Reem | ريــــــــــم

حب عقيم (٢٠٢٢)

أصبحت أهرب من الجلوس مع نفسي وأبحث عن الصخب من حولي كي أتمكن من نسيانه، وإن كان لابد من ذلك الاختلاء فإنني استغل مشاعري من أجل الكتابة، هذا أنسب حل توصلت إليه حتى الآن حتى أتعايش مع هذا الحب العقيم. للشوق نوبات مثل نوبات الهلع، راودتني بالأمس إحداها، حاولت أن أبقى صامدة دون ارتكاب أي تصرف أحمق، تذكرت أن الذات التي أملكها أمانة من الله عزوجل، يجب أن أحبها بما يكفي لأن لا أجرحها مجدداً، لا أود أن أشعر بأنني خسرتها مثلما شعرت خلال الأشهر الماضية، وأنا بالكاد الآن أتحسس طريق العودة إليها. هناك أمل بالنسيان والمضي قدماً وهناك أمل آخر بالعودة ولابد أن ترجح كفة الشعور الأول منهما. لن يحدث ذلك بإنكار شعوري ناحيته، بل باستذكار حقيقة أنني أريده ولكن أريد ذاتي أكثر منه.

Reem | ريـــــم

صَّدْعٌ في القلب (٢٠٢٢)

‏أعرف معاناة الأشخاص العاطفيين الذين يكرهون أنفسهم أحياناً بسبب عواطفهم المتدفقة في كل الإتجاهات، وتحديداً ناحية الإتجاهات الخاطئة لأنني منهم. يتفاقم حجم هذه المعاناة حين أعيَّ بها ولا أعلم ماذا أفعل حيالها، و أتمنى أن يصحح هذا الوعي إتجاه مشاعري الصادقة والمنهمرة على أراضٍ لا تستحقها. كنت قد عاقبت نفسي بأن كرهتها، لكن هذا الكره لم ولن يغير أي شيء من حقيقة كوني فتاة عاطفية جداً. أعرف ضعفي جيداً وأراه بعيون زرقاء اليمامة كل يوم. لا يبدو تجاوز الشخص بحد ذاته صعباً لأن الصعوبة تكمن في نسيان الطريقة التي تم تجاهلك بها و كأنك صخرة اعترضت الطريق و وجب إزاحتها جانباً أو كـ طيف عابر يراود رأس شخص مجنون، ونسيان اللحظة التي أشفقت بها على ذاتك وأدركت إلى أي هاوية أوصلك ضعفك. لربما صنعت شخصية خيالية في رأسي وأحببتها أو لربما أحببته فعلاً، لا يهم، لأنه لا يمكن للإجابة الصحيحة أن تغير أي شيء. مايهمني فعلاً هو هذا الألم الذي يشبه الصَّدْعُ.دائماً مايبدو الكلام قاصراً أمام وصف الشعور لكنني أشعر أن هذه الكلمة كافية جداً لوصف حال قلبي، قلبي المتصدع. اليوم، يوم تخرجي من مرحلة الماستر، كاشفت إحدى الفتيات التي أصبحت صديقة مقربة بعد زمالة دراسية بالشعور الذي أشعر به، وبكل ماقمت به كي لا تشكل تجربتي العاطفية التي حدثت في وقت صعب عائقاً عن تقديم أفضل مالدي. يشبه هذا الأمر الانتصارات الصغيرة التي نحتفي بها مع أنفسنا فقط، لأننا الوحيدون القادرون على تقدير حجم الألم الذي عايشناه لنتجاوز ماحدث. كانت ردة فعلها بسيطة جداً ومتمثلة في جملة قصيرة تشرح كل التناقضات الكامنة في الحدث: “أنتي عاطفية جداً لكنك بالمقابل قوية جداً”. هذه الجملة تحديداً بإمكانها توضيح السبب القائم خلف كفاية مفردة الصَّدْعُ لوصف ماحدث بقلبي.

ريــــــم | Reem

يوم في ديسمبر (٢٠٢١)

مثلما يفعل الكثيرين في الأيام الأخيرة من السنة، أحاول استغلال هبوب النسمات الباردة بأبسط الوسائل الممكنة. في أحد أيام إجازتي الدراسية إلا من أشغال البحث العلمي، اُعد كوب شاي الظهيرة المعتاد، اخرج إلى “حوش” منزلنا، واحمل أحد كتبي التي لا أفكر في التخلص من عادة قراءتها ببطء شديد. ولا أنسى توثيق اللحظة بالتأكيد!

Reem | ريــــم

سيرة ذاتية لفتاة وهمية -2 (2021)

(5)

الخروج من الذات

قاومت رغبة عارمة في الخروج من الذات، وعاهدت نفسي على عدم استخدام الآخرين كـ وسائل للهروب من دواخلي الشاسعة و المظلمة. أرغمت نفسي على البقاء وحيدة لأنني أيقنت أن الحزن لابد أن يُعاش كما يُعاش الفرح. لم أجد أي دلالة على القوة في فكرة السخرية من الحزن والخروج للعالم بضحكة واسعة بينما صدري ضيقٌ جداً. كانت ولا زالت القوة في نظري البقاء مع الألم في الداخل ومواجهته واستكشاف مساحات التيه، والضياع في الظلام دون التفكير في الضوء المحتمل في آخر النفق لأن النجاة غالباً ما تحدث صدفة،وتظهر في أشكال شتى لا يمكن توقعها، تماماً مثل اللطف الخفي. حاولت امتلاك الشجاعة الكافية لأن أراني وأنا أنزل للقاع، وأنا أملك أجنحة متكسرة. ببساطة بالغة أردت أن أكون قوية بما يكفي لأتقبل كوني ضعيفة. استرسلت مع مخاوفي حتى الرابعة فجراً وأنا استمع لصوتي الداخلي وهو يرددها واحدة تلو الأخرى. كنت أشعر بالخوف، ولأنني أخاف الاحتمالات الكثيرة فكرت جدياً في تلك المخاوف. حاولت بسذاجة أن أقول لنفسي “لا تخافي” كأمٍ تحاول تهدئة صغيرها. لا زلت حتى الآن أحاول أن أتعلم “الطمأنينة” أو بالأحرى الكذب على الذات بأن لا شيء يثير الخوف.

(6)

أصل الأشياء

أضعت الكثير من الوقت لأنني في كل مرة أشعر بالعجز أعود لنقطة البداية المزعومة لأحاول الفهم من جديد. لطالما أردت أن أفهم الأشياء من أصلها. أريد الحصول على المعنى في صورته النقية المجردة من خبراتي السابقة وكأن الأشياء لم توجد من قبل وهاهي تتكون انطلاقاً من النقطة التي بدأت الرؤية منها. متعبة من العودة للبداية التي ظننت ولازلت أظن أنها البداية الحقيقية و كأنني عالقة في عجلة هامستر لا تتوقف،و كأن العالم مضمار سباق دائري. قد لا تكون هذه النقطة هي البداية ولكنها فقط النقطة التي بدأت افكر منها. أحاول على الأقل العودة إلى نقطة أشعر بها أن الكثير لم يفتني ولكن دون جدوى.

ريــــــــم | Reem

نصٌ طارئ (2021)

يقال أن الكتابة هي الطريقة المهذبة للبكاء. اكتب الان و حرارة تفوح من جسدي بسبب الجرعة الثانية من لقاح المرض المستجد. سيل من المشاعر السلبية يراودني. عادةً اثرثر في حسابي في تويتر لكن وفي كثير من الأحيان أخشى من الشعور بالشفقة. لم يحدث في يوم ما أن جربت شكل من أشكال الألم الحقيقي وبسبب ذلك أغرق في شعوري بالامتنان لله عزوجل. يؤلمني جداً كون حزني تافهاً ويؤلمني كونه يظهر في صورة أكبر من أحلامي.

يؤلمني الوهم, الحقيقة، الجهل، المعرفة، المضي قدماً، العودة للوراء، الوفرة، والنقص… هذا التضاد المغروس في أصل كل شيء يؤلمني. يؤلمني الآن أني اكتب نصاً غير لائق وأنشره لأوقف سيل مشاعري. يؤلمني أنني افتقد الشجاعة لأكون “أنا” وسط هذا الزيف و يؤلمني احتمال أن هذا قد لا يكون زيفاً لأنني قد أكون أنا المزيفة. تؤلمني الاحتمالات!

ولكنني سعيدة لكوني أكتب مجدداً، ولكوني قادرة على خلق حالة تمرد ناحية مشاعري لأتخلص من سطوتها على قلبي. بإمكاني اعتباري هذا النص إشارة للبدء من جديد في عملية البحث عن الذات واستعادة أشلائها المتناثرة على خط الزمن.

ريـــــــم | Reem

الفقد (2019)

مرت تسعة أعوام على حدوث السبب الذي أشعرني بالهوة الذي لا يمكننا تجنب السقوط فيها بين “الشعور” و “الكلمة”. ولم تهدف محاولاتي الكسولة في تركيب المزيد الجمل المعبرة عما أشعر به إلى الخروج من تلك الهوة، بل إلى تقديم تفسيرات لكون الألم شعوراً غير متبادل حتى وإن كان بين أشخاص مروا بنسخ متطابقة من ظروف الحياة المختلفة. هنالك الكثير من المشاعر والأفكار التي تضل الطريق إلى أصواتنا و أوراقنا وأحياناً إلى أدمغتنا.

يبدو الصمت خياراً جيداً للاستسلام أمام اللحظة التي تستمع فيها لذاتك وتجد حديثك ضئيلاً جداً أمام اتساع شعورك أو فكرتك. بينما تبقى الكتابة بديلاً جميلاً للبكاء وللتخلص عن الشعور بالضعف من خلال إظهار قدرتنا وقوتنا على تجاوز الأمر بسرد قصة أو نسج قصيدة تجعل الألم يتجسد في صور أدبية وجمالية – ويالسخرية- ممتعة.

قبل تسعة أعوام حينما توفى والدي اخترت أن أكتب ماأشعر به بدلاً من البكاء، وبمرور الأيام اخترت الصمت.

كان للاعتياد على نمط الحياة الجديد سبباً للخيار الأخير. مايحدث غداً له من التأثير مايجعلني أنسى مافقدته اليوم. يستمر هذا النمط إلى أن يحدث شيئاً ما يجعلني أفكر في بداية الأشياء:”كيف تكون كل هذا ؟”

الإجابة على هذا السؤال الصعب تمكنني من الوعي بذاتي!

لقد أصبحت أعمم شعوري بالفقد على المحيط الذي أعيش فيه. يبدو الأمر وكأنه من الطبيعي أنه لا يوجد أب. حينما يحدث خطب ما أتذكر أن هنالك شيئاً كان من الممكن أن يكون مؤثراً جداً فيما يحدث وأنني افتقدته كثيراً.

في الحين الذي تغيب في الظروف المتأثرة بوجود الشخص المفقود سيتوارى الشعور بالألم خلف روتين الحياة اليومية. أما محاولة خلق هذه الظروف بشكل متجدد من قبل بعض الأشخاص – من باب الوفاء على سبيل المثال – يجعلهم يعيشون في حياة وهمية قد لا يخرجون منها أبداً.

مايؤلم فعلاً هو صدمة الذاكرة أمام الاختفاء التام الذي يسببه الموت،و التناقض المتجدد بين ما (كان) و (لم يعد) موجوداً هنا و مرور الحاضر في صورة فترة إنتقالية تثبت فعلاً الخط الفاصل بين الماضي والمستقبل.

 

ريــــــم | Reem

 

 

توهج – 2019

لقد انطفئت!!

اعتراف جيد ومتوقع لبدء نص جديد من قبل فتاة توقفت عن إدمانها الكتابة منذ أكثر من سنتين. أو مبرر لركاكة ماقد سأكتبه بعد قليل في هذه التدوينة؟ لا أعلم فأنا عدت لأني احتاج إلى الكتابة، ولأثبت أن مايشكل جزءاً من ذاتي لا يمكن أن أمحوه أنا أو تمحوه الأيام، ولأن مجموعة من المواقف تستمر في الحدوث ولم يعد يوجد أي متسعٍ لها في صدري.

ثمة مشاعر ما لا تصل إليها الكلمات ،لكن وبطريقة أو أخرى سأحاول أن أصف طريقها لعلِ أجد منعطفاتٍ أخرى تفتح آفاق واسعة أمام قدرتي على التعبير.

منذ مايقارب خمس أو سبع سنوات كنت أشعر بالخوف من انطفاء أحلامي في عينيَّ. في الحقيقة لم اكتشف أن هذا الخوف كان يشكل دافعيَّ الأول للاستمرار إلا بعد أن انطفئت بالفعل الأحلام التي كنت أنشدها في تلك الفترة.

كنت أخاف إذا مر وقت طويل لم اتمكن فيه من الكتابة، وبالرغم من يقيني أن الكتابة حاجة ملحة لا يمكن أن تُستحضر كنت أجلس كثيراً أمام شاشة الحاسوب لجلب المزيد و المزيد من العواطف والأفكار والكلمات التي تعبر عنها و إيجاد المزيد من الروابط بينهما. تزايد الشعور بالخوف حينما اتجهت في دراستي إلى مجالٍ بعيداً تماماً عما كنت احلم به : علوم الحاسب. لقد سمحت سنوات دراستي الأولى بمجاراة هذا الخوف و قراءة و توليد الكثير من الكلمات. لكن و بمرور الأيام وبلا أي وعيَّ مني وأسفل ضغوط دراستي الجامعية بدأت تتغير مشاعري و أفكاري و ظهرت في طريقي منعطفات غريبة عن كياني لم املك خيار آخر سوى اتخاذها طريقاً جديداً لحياتي.

لا أنكر أنني اكتشفت عوالم وقدرات مدهشة لذاتي وأنا اقطع هذه الطرق، لكن وفي الوقت ذاته خسرت الوقت الذي أتعرف فيه إلى ذاتي دائماً والطريقة التي أتواصل بها معها وأعبر عنها وأعرف نقاط ضعفها وقوتها التي كانت متمثلة في استغراقي في القراءة والكتابة لبعض الوقت.

لقد قطعت من الشعور بالخواء الداخلي ومحاولات ملأه بالكلمات إلى الأمتلاء التام والركض المتواصل خلف التفوق والإنجاز مسافة من الأحلام المنسية والأماني والخطط المؤجلة الغارقة في أعماق الذات والمنبعثة في لحظات الخذلان. وها أنذا أتوهج بمحاولتي للعودة للكتابة لا بوصفي موهوبة فيها بل بوصفها جزء من كياني كان يهون عليَّ تعب الحياة ولا يسمح لها أن تُخفي عني ما كنته يوماً ما.

ريــــم | Reem

 

 

 

بصيرة-2017

في غرفة الملابس كما تسميها أمي،كان هنالك شخص ما تدعوه بالمخرج أيضاً.ينبهنا نحن المتواجدين في ذلك حين،أنه إذا ماسُلط الضوء على أيّ منا فعليه أن يتقدم لأداء دوره أمام الجمهور،دون أن يضطر أحد ما لتنبيهه ويُفسد سياق العمل ومصداقيته.

أنا الآن على المدعو بالمسرح!

كنت في انتظار الضوء بينما جُل ماأراه يبدو ظلاماً دامساً.وحين يتناهى إلى مسمعي صوت أحد ما يتحرك في محيطي كنت أتخيل أن الضوء معه ،يتسابقان للإلتقاء في نقطة واحدة بانسجام كأنهما يتحدان سويةً.  مضى الوقت وأنا انتظر دوري وأتمتم بالنص الذي سأجعله يصل إلى قلوبهم كشلال يتدفق من مكان ما مرتفع وبعيد عن الأنظار بصورة يحتاج المرء لكي يراها لأن يرفع بصره عالياً كأنه يشاهد النجوم.كنت بغاية الرومانسية أتوق لأن أرى عيني…صوتي…يدايّ وهي تنبض داخل أعينهم!

وبشكل مباغت سمعت يداً تصفق تبدو ليست بعيدة مما أقف،صمتَّ برهة ثم عاودت تصفق جديد.وتبعها صوت والدتي تناديني بهمس:”أحمد…أحمد”فتلمست الطريق حتى وصلت حيث الصوت. أخبرتني أمي أن الضوء سُلط علي ولابد من أن أبدأ في أداء دوري،تطلعت بدهشة حولي وتسائلت:لازال الظلام دامساً!

لابد أن المخرج غاضباً الآن.فمن المؤكد أنه كان هو من يصفق،ويغمز لي بعينيه أيضاً، لكنني لم أرى شيئاً.  توقعت أن يظهر لي الجميع مع الضوء لكنني لم أرى أحداً.حتى أنا!

أعمى يأكل الطعام ويمشي في الأسواق،لكنه ابتعد عن التمثيل لأنه عاجز عن أن يرى مايصدر منه في أعين الناس.قد يكون هذا شرحاً كافياً لما في حدث  في  تلك الليلة على المسرح.

أعرف أن لون قميصي الذي ارتديه يبدو أحمر وأن بنطالي من الجينز وحذائي أسود.أعرف أين أضع عصايّ،وأن الدرج يقع على يميني الآن وتفصلني عنه مسافة لاتتجاوز المترين.لكن هذه التفاصيل تبدو غير مألوفة وغير حقيقية حين أصفها لشخص ما.

عندما كنت في المدرسة،كنت أصدق معلم الفيزياء بيقين  حين يخبرنا أن “الألوان مجرد هيئة من صنع أعين البشر”بتفسير واحد لازال يتبدى لي دائماً وهو أن “عينايّ لاتعمل بشكل سليم”                            الاسترسال في هذا التفكير يقودني إلى أن عجزي يشملني أنا أيضاَ.فأنا لن أعرف أن هنالك كدمة ما في جسدي إلا إذا شعرت بالألم،أو ظهرت لي حبوب الشباب في وجهي مالم أتحسس  ذلك،أو توجد بقعة على ثوبي مالم يخبرني أحد بذلك.ذات مرة فكرت بالطريقة التي تبدو فيها ثيابي مرتبة جداً،وأنه كيف إذا اعتدت أمر فأنت بشكل أو بآخر لاترى بل تشعر.

حالياً وبعد المرور بالكثير من السنوات أجلس أمام آلة الكاتبة أحاول أن أصف العلاقة اليتيمة التي تربطني بالسماء ألا وهي المطر. خصوصاً وأن مخزون الكلمات الذي أعرفه عنها لا يتجاوز نشرات أخبار الطقس. أستطيع أن أتخيلها شيء ممتداً بطول يديَّ حين أفرهما معاً تحت المطر ويصيب البلل كل أجزائها. أو بطول المسافة التي أخطوها على الأرض ولا أزال أشعر بالبلل على باطن قدميَّ.وبوصف أدق كان العالم غريباً جداً خارج ماأشعر به.

 

ريم